فخر الدين الرازي

267

المطالب العالية من العلم الإلهي

حصول هذه الأشياء عقيب هذه الأمور على سبيل العادة ، لا على سبيل الوجوب . فكذا هاهنا . الثالث : لم لا يجوز أن يقال : إن ذلك الفعل كان واجب الحدوث في ذلك الوقت بعينه لذاته ، وكان ممتنع الحدوث في سائر الأوقات لعينه ولذاته ؟ وهذا غير مستبعد على أصول المعتزلة . وذلك لأن عندهم الأعراض التي لا تبقى ، يختص « 1 » حدوث كل واحد منها بوقت معين ، مع أنه كان يمتنع حدوثه قبل ذلك أو بعده . فإذا عقل اختصاص ذلك الجواز بوقت دون وقت ، فلم لا يجوز أيضا أن يختص وجوب حدوث هذه الأفعال ، بوقت دون وقت ، لا لمؤثر أصلا البتة ؟ وعلى هذا التقدير ، يمتنع أن يقال : إن ذلك الفاعل إنما وقع بقدرة العبد . وعلى هذه الشبهة [ أصول كثيرة ، شرحناها في كتاب « نهاية العقول » ] . وأما الشبهة « 2 » الثانية : وهي قوله : « لو لم يكن العبد موجدا لأفعال نفسه ، لزم أن لا يكون متمكنا من الفعل والترك » . فالجواب عنها : أن نقول : هذا أيضا لازم عليكم في صور كثيرة : أولها : إن علم اللّه متعلق بجميع الجزئيات . وما علم أنه يقع : محال أن يقع ، وما علم أنه لا يقع : محال أن يقع . فيلزمهم في العلم ، كل ما ألزموه علينا في الإيجاد . الثاني : إنه تعالى أخبر عن « أبي جهل » أنه لا يؤمن ، فلو صدر عنه الإيمان ، انقلب الخبر الصدق : كذبا . وذلك محال . والمفضي إلى المحال : محال . فلزمهم في الجبر ما ألزموه علينا . الثالث : أن يقال : كلف « أبو لهب » بالإيمان . ومن الإيمان تصديق اللّه في كل ما أخبر عنه . ومما أخبر عنه : أنه لا يؤمن . فقد صار مكلفا بأن يؤمن بأنه لا يؤمن .

--> ( 1 ) تخصيص ( م ) . ( 2 ) من ( ط ، ل ) .